البعض طار الى عش التناقضات ، ولم يهبط بعد !

اذهب الى الأسفل

البعض طار الى عش التناقضات ، ولم يهبط بعد !

مُساهمة من طرف اسماء محمد مصطفى في 2010-07-09, 3:44 am

البعض طار الى عش التناقضات ، ولم يهبط بعد !



ـ بقلم : أسماء محمد مصطفى





فيه شيء من كذب او ازدواجية حيناً .. نلمسه في موقف او كلمة او حتى نصيحة ، يتجسد مثلاً في وصولي يدعي ارتقاء السلالم بنزاهة او اجتهاد ، او في امرأة تخاف فأراً وتخيف اقوى عشاقها ، او في شخص يعلم سواه القيم النبيلة لكنه لايطبقها في أفعاله ، او في سياسة الكيل بمكيالين ..

*هو ليس بشعاً دائماً فقد ينطوي على حكمة او نلمسه في ظاهر ضعيف يخفي وراءه أعماق صلبة .. إنه التناقض ..

* هالة من التناقضات في السلوكيات والأقوال والأفعال ، تملأ العالم بأسره ، فالحياة نفسها تجمع بين المتناقضات .. الخير والشر .. الصواب والخطأ .. الحار والبارد .. الأبيض والأسود .. وعلى ذكر هذين اللونين نبدأ لقطاتنا عن التناقض بأغنية ( أبيض او أسود ) للمطرب الأمريكي الراحل مايكل جاكسون الذي عكس فيها ايمانه بعدم وجود فارق بين البيض والسود ، وإنه ليس عنصرياً ، ومع ذلك تعاطى حقناً لتغيير لون بشرته الأسود الى الأبيض ، ولتذهب الأغنية الى سلة التناقضات !

إن أشد التناقضات مرارة تلك التي تكون مع النفس .. إنها أشبه بالضحك القسري في أشد حالات المرارة .. فقد يتصرف الإنسان تحت ضغط ظرف ما او رغبة ملحة بطريقة لايؤمن بها ..

وقد نجد التناقض في شخص يدعي شيئاً ويتصرف على نحو معاكس تماماً ، كالأب الذي يعلّم أبناءه القيم الخلقية العالية ، في الوقت الذي ينضح بالبشاعة خارج حدود بيته .. ونراه أيضاً في آخر ينتقد سلوك غيره علناً ، إلاّ إنه وفي قرارة نفسه يتمنى أن يتصرف مثله ! ونجده أيضاً في متدين غير مرن وغير معتدل حين يتشدد في نصح أفراد أسرته او مجتمعه بأداء الفرائض التي يؤديها هو على أكمل وجه ، لكنه في الوقت نفسه يرتكب أفعالاً قبيحة ، كأن يسرق أموال الناس او ينم او ينافق او يطعن في شرف الناس او يدخل بيوتهم من غير أبوابها !! بل حتى يشاهد القنوات الإباحية !!

مثلما يتجسد التناقض في شخص يدعي التقدم وايمانه بالأفكار التقدمية لكنه آخر شخص يطبق ما يدعيه في تعامله مع أفراد أسرته ، كأن يمنع بناته او أخواته من إكمال تعلميهن الجامعي خوفاً عليهن من إقامة العلاقات العاطفية في الجامعة ! في الوقت الذي يتزوج من خريجة جامعية !

ونراه أيضاً في آخر يبدي إعجابه بالعصريات والمثقفات من النساء ، لكنه يحجم زوجته ويمنعها عن تطوير نفسها !!

بل إن التناقض يتجسد أيضاً في رجل يطارد المتحررات اوغير المحتشمات ويبدي إعجابه بهن بينما يخفي زوجته عن أعين الناس ، بل يخونها وهو مرتاح الضمير ، لكنه يقلب الدنيا وينتفض لرجولته إذا خانته هي !!



وكذلك نجد التناقض في شاب يقيم عشرات العلاقات العاطفية العابرة مع بنات الناس ، او العلاقات الماجنة مع بنات الهوى ، لكنه يمنع أخته من حقها في الحب وإن كان طاهراً ، بل يجن جنونه إذا ما رآها مع شاب !! ونجده أيضاً يحافظ على بنت جاره ويخاف عليها حتى من أن يكلمها لكنه يتمادى مع بنات غير جيرانه !! وكإنهن لايستحقن منه الاحترام كبنت الجار التي ربما فوق رأسها ريشة دون سواها !!

وقد يقول قائل إنها حقوق الجار وواجبات احترامه ، ونقول أليس الأولى أن نراعي حقوق الناس وواجبات احترامهم جميعاً وليس الجار فقط ؟!

كما نجد التناقض في شخص يساعد أرملة وأيتاماً تحت عنوان فعل الخير لكنه لايبرّ بأمه ، وهنا يكمن الرياء .

وترتبط التناقضات السلوكية بطبيعة التربية البيتية والمجتمعية والمفاهيم والتقاليد والعادات التي يفرضها المجتمع على الفرد الذي قد ينزع في داخله الى نقيضها فضلاً عما يراه المرء من مظاهر ازدواجية حوله منذ نعومة أظفاره فيتأثر بها ، الى جانب ما تتطلبه المصلحة الذاتية من أن يكون البعض متناقضاً في رغباته وسلوكياته .

التناقض يتمثل في أخوة متناقضين كالأخوة كرامازوف .. وفي أمزجة متعاكسة وأفكار وأخلاق متضادة بين أبناء أسرة واحدة تلقوا التنشئة البيتية نفسها .. وفي ممثل طيب يمثل أدوار الشر وبالعكس .. وفي سياسي متجبر ظالم يصرع أقوى الرجال لكنه يتحول الى طفل ضعيف بين يدي عشيقته !! بل إن التناقض يبلغ قمته في عالم السياسة نفسه .

إن بعض الحقائق تكشف عن تناقضات ما ، فاينشتاين عبقري الرياضيات كان تلميذاً ضعيفاً في مستواه الدراسي ، وإحسان عبد القدوس مناصر الحب في رواياته رفض فكرة زواج ابنه من ممثلة معروفة يحبها ، ذلك إن الواقع شيء ومافي رواياته شيء آخر ! كما إن برنادشو التقى تشرشل في لقاء كشف عن تناقض حجميهما وطبيعة حياتهما ، فالأول كان نحيلاً ـ قد يحسب الناظر اليه أن في بلاده مجاعة ـ والثاني كان بديناً ـ يعرف الناظر اليه سبب تلك المجاعة ـ !

حتى في الحب هناك تناقضات .. أليس أجمل مافي الحب عذابه !! أليس الحب أن تتمنى السعادة للحبيب ، لكنك قد ترفض أن يمضي مع سواك وإن كانت سعادته هناك .. أي إنك ترفض أن يسعد على حساب سعادتك .. المحب كريم مانح ، لكنه قد يكون أنانياً أيضاً .. والحب نبل ورفعة وهو في الوقت نفسه يتسم بالأنانية .

ومع إن الضعف والقوة على طرفي نقيض لكنهما يجتمعان في معادلة حب شعرية للشاعر المعروف أنسي الحاج حين يقول في قصيدة له : ( ضعف حبنا وحده هو القوة ) ..

والنقائض الشعرية قصائد مشهورة لشعراء هجاء تبادلوا فيها مشاعرهم المتناقضة .

ونقيض الشيء منجذب اليه كما هو متعارف عليه مغناطيسياً . ولعلاقة الرجل مع المرأة نوع من تناقض حين تسود فيها لعبة القط والفأر ـ وعذراً للتناقض في التشبيه ـ .

توفيق الحكيم أشار في كتابه يقظة الفكر الى إن التناقض خلق من ضلع المرأة . قال ذلك حين فاجأته امرأة بالقول : ( منظر فأر يرعبنا ، ولايفزعنا أن نمسح على وجه أسد .. توافه الأمور تبكينا ، ونتجلد أمام أفظع الامور .. هكذا نحن النساء ) ..

والتناقض أن يكون اللاوعي أحياناً هو قمة الوعي . بهذه الجملة أختم هذا الموضوع ، تاركة للقراء استحضار تناقضات أخرى في كل مجالات الحياة عسى أن يبحثوا معي عن سبل لعلاج التناقضات ـ هذا إذا كان ذلك ممكناً في مجتمعات مريضة بالتناقضات ولاتستطيع الحياة إلاّ بها ـ فيما أهبط من عش التناقضات بسلام آملة ألا أكون متناقضة مع نفسي !
avatar
اسماء محمد مصطفى
مــشرف
مــشرف

الجنس : انثى
عدد الرسائل : 41
البلد : العراق
المهنة : اديبة وصحافية
المهنـة :
الهوايــة :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 15
تاريخ التسجيل : 13/10/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.alnoor.se/author.asp?id=1032

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى